أما قبل؛ الأفكار الانسانية الحرة مهما كانت قاصرة أو خاطئة أو حتى مريضة! إذا قررت أن تتجه نحو المعرفة فإنها تبقى تُنجب ولا تأد ! و تخلق ولا تُميت !
أما الأفكار التي تتجه نحو التسلط والاستبداد طمعا لتبقى على قيد الحياة والتأثير! فهي عادة ما تتأكسد في نهج الوأد والاقصاء.
وما كانت الفرعونية ورعونة منهجها "ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" إلا منهجا من مناهج التكبر عن النقد وترسيخ التسلط العلمي والاستبداد بالمعرفة؟!
ها نحن اليوم نعيش مرحلة ما بعد ( بعد ) الوضعية (post-positivism) ولا يمكن لباحث منصف مهما كان انتماؤه الفلسفي أن يتجاهل فضل تلك المدرسة على الحركة العلمية بشكل عام وعلى مناهج البحث الحديثة بشكل أخص.
إن أنشتاين ونسبيته، و ديكارت وكاجوتيته ، وهوسرل وظواهريته، وهايدقر ووجوديته الجديدة، وغادمير وتاوليته وفوجسكي وإجتماعيته و ديوي وبرقماتيته وماركس وتأريخانيته … وغيرهم ممن صنعوا فلسفة العلم في هذا العصر لم يخرجوا إلا من تحت عباءة الفلسفة الوضعية .. إنها كالأم التي تموت في طلقها!
شخصيا لم أستطع ان أجد ما يشدني في منهج المدرسة الوضعية (positivism) المتعلق بالبحث في العلوم الاجتماعية. بل إنني كل ما اقتربت من منهجهم يترسخ اعتقادي بأن استراتيجياتها ومقارباتها المنهجية لا تتناسب ونمط رؤيتي للحياة كباحث مسلم . و رغم هذا الاعتقاد، أقف مدهوشا أمام منتجهم الفكري الفلسفي فهو "منتج انساني" حاول أن يرسم طريقا علميا لدراسة ظواهرنا الحياتية. حاول ان يقترب من المعرفة!
هذه المدرسة لم تنل فقط شرف المحاولة في صناعة منهج للمعرفة والبحث بل استأثرت بفضل السبق في التأسيس والتمهيد لأن يظهر للنور هذا الكم الواسع والعميق من الفلسفات العلمية التي تحاول رسم منهجية منطقية لبناء المعرفة الانسانية.
ثقافتي العربية – التي تختزن في ذاكرتها كما هائلا من الصراع الدموي بين الأفكار والنظريات واستبدادا دوغمائيا بالمعرفة- جعلتني أقف مندهشا أمام هكذا ظاهرة!
كيف لمدرسة مثل "الوضعية" تملّكت كل ذلك النفوذ العملي الذ مكنها من أن تصبغ بروحها المادية معظم العلوم الانسانية والطبيعية واعتنق مبادئها ملايين العلماء والباحثين بل و قامت على تصورها للحياة حضارة ثائرة صنعت واقع انسان اليوم ؛ كيف لمدرسة بذلك الحجم أن تتنازل وتسمح وتتسامح في أن تولد على فراش منهجيتها ومبادئها أفكار أخرى تختلف معها في " الأصول والفروع " بل و تجعلها تأريخا ماضيا؟!
ربما يكون العقل الحر سيد الأرض!
***
***
أما بعد؛ في القر الثامن عشر تقريبا رفعت المدرسة الوضعية مبادئ كثيرة تؤسس عليها مقاربة منهجية للبحث العلمي من أشهر تلك المبادي على سبيل المثال الموضوعية( التي هي ضد الذاتية). ظل هذا المبدأ من أسخن المواضيع

































، فقد ولدت هذه الفكرة بعد أن نامت معي على فراش واحد في ليلة ما وفي قراءة رومنسية 
صفحات كتاب "السنن النفسية لتطور الأمم" بنت الفيلسوف والمؤرخ غوستاف لوبون صاحب كتاب حضارة العرب وكتاب حضارة الهند وكتاب سيكلوجية الجمهور. ذلك الفيلسوف الذي استطاع من خلال كتبه أن يحدث ثورة في فلسفة التاريخ وتاريخ الفلسفة وذلك حينما انتهج منهجا فريدا في صياغة تاريخ الأمم ومَنْطَقَةِ حركته فلسفيا.